القرطبي
305
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : " فلما جاءهم بالحق من عندنا " وهي المعجزة الظاهرة " قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه " قال قتادة : هذا قتل غير القتل الأول ، لأن فرعون كان قد أمسك عن قتل الولدان بعد ولادة موسى ، فلما بعث الله موسى أعاد القتل على بني إسرائيل عقوبة لهم فيمتنع الإنسان من الإيمان ، ولئلا يكثر جمعهم فيعتضدوا بالذكور من أولادهم . فشغلهم الله عن ذلك بما أنزل عليهم من أنواع العذاب . كالضفادع والقمل والدم والطوفان إلى أن خرجوا من مصر ، فأغرقهم الله . وهذا معنى قوله تعالى : " وما كيد الكافرين الا في ضلال " أي في خسران وهلاك ، وان الناس لا يمتنعون من الايمان وإن فعل بهم مثل هذا فكيده يذهب باطلا . قوله تعالى : " وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه " أقتل " جزم ، لأنه جواب الأمر " وليدع " جزم ، لأنه أمر و " ذروني " ليس بمجزوم وإن كان أمرا ولكن لفظه لفظ المجزوم وهو مبني . وقيل : هذا يدل على أنه قيل لفرعون : إنا نخاف أن يدعو عليك فيجاب ، فقال : " وليدع ربه " أي لا يهولنكم ما يذكر من ربه فإنه لا حقيقة له وأنا ربكم الأعلى . " إني أخاف أن يبدل دينكم " أي عبادتكم لي إلى عبادة ربه " أو أن يظهر في الأرض الفساد " إن لم يبدل دينكم فإنه يظهر في الأرض الفساد . أي يقع بين الناس بسببه الخلاف . وقراءة المدنيين وأبي عبد الرحمن السلمي وابن عامر وأبي عمرو : " وأن يظهر في الأرض الفساد " وقراءة الكوفيين " أو أن يظهر " بفتح الياء " الفساد " بالرفع وكذلك هي في مصاحف الكوفيين : " أو " بألف وإليه يذهب أبو عبيد ، قال : لأن فيه زيادة حرف وفيه فصل ، ولأن " أو " تكون بمعنى الواو . النحاس : وهذا عند حذاق النحويين لا يجوز أن تكون بمعنى الواو ، لأن في ذلك بطلان المعاني ، ولو جاز أن تكون بمعنى الواو لما احتيج إلى هذا ها هنا ، لأن معنى الواو " إني أخاف " الأمرين جميعا ومعنى " أو " لأحد الأمرين أي " إني أخاف أن يبدل دينكم " فإن أعوزه ذلك أظهر في الأرض الفساد . قوله تعالى : " وقال موسى إني عذت بربي وربكم " لما هدده فرعون بالقتل استعاذ موسى بالله " من كل متكبر " أي متعظم عن الإيمان بالله ، وصفته أنه " لا يؤمن بيوم الحساب " .